ابن كثير

5

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

قال : قال محمد بن مسلم : قرأت كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران ، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم فيه « هذا بيان من اللّه ورسوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فكتب الآيات منها حتى بلغ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ [ المائدة : 4 ] » . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد ، حدثنا يونس بن بكير ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني عبد اللّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه ، قال : هذا كتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عندنا الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن يفقه أهلها ويعلمهم السنة ، ويأخذ صدقاتهم ، فكتب له كتابا وعهدا ، وأمره فيه بأمره ، فكتب « بسم اللّه الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من اللّه ورسوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ عهد من محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن ، أمره بتقوى اللّه في أمره كله ، فإن اللّه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون » « 1 » . قوله تعالى : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : يعني بالعقود العهود ، وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك ، قال : والعهود ما كانوا يتعاقدون عليه من الحلف وغيره . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني العهود ، يعني ما أحل اللّه وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله ، فلا تغدروا ولا تنكثوا ، ثم شدد في ذلك فقال تعالى : وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إلى قوله سُوءُ الدَّارِ [ الرعد : 25 ] وقال الضحاك : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : ما أحل اللّه وحرم ، وما أخذ اللّه من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي والكتاب أن يوفوا بما أخذ اللّه عليهم من الفرائض من الحلال والحرام . وقال زيد بن أسلم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : هي ستة « 2 » : عهد اللّه ، وعقد الحلف ، وعقد الشركة ، وعقد البيع ، وعقد النكاح وعقد اليمين . وقال محمد بن كعب « 3 » : هي خمسة منها حلف الجاهلية ، وشركة المفاوضة « 4 » . وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال : فهذه تدل على لزوم العقد وثبوته فيقتضي نفي خيار المجلس ، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك ، وخالفهما في ذلك الشافعي وأحمد والجمهور ، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين « 5 » عن ابن عمر قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « البيعان بالخيار ما لم يتفرقا » وفي لفظ آخر للبخاري « إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا » وهذا صريح في إثبات خيار

--> ( 1 ) ينظر النص كاملا في « الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدي » لمحمد حميد اللّه ، ص 207 - 209 . ( 2 ) هي خمسة في تفسير الطبري 4 / 387 من حديث زيد بن أسلم . ( 3 ) تفسير الطبري 4 / 387 . ( 4 ) شركة المفاوضة : أن يجعل الشريكان جميع ما يملكانه بينهما . ( 5 ) صحيح البخاري ( بيوع باب 19 ) وصحيح مسلم ( بيوع حديث 43 )